عبد الرحمن الأنصاري الدباغ

88

معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي )

قلت : وذكر ابن أبي عقبة قال : خرج ابن طالب إلى القصر فلقي غلاما راعيا ، فسقط السّوط من يد ابن طالب فجرى الغلام وناوله إيّاه فقال له : من مولاك ؟ فأخبره ، فلما وصل قال : اتوني بفلان ، فجاءه فقال : أحبّ أن تبيع لي غلامك فلانا . فقال له : أصلحك اللّه ! ما نستغني عنه فقال له : لا بد من ذلك . فقال : هو لك بلا ثمن . فقال : لا إنما نأخذه بثمنه وثمن الغنم . فبعث وراءه فقال له : اذهب فأنت حرّ لوجه اللّه تعالى والغنم لك . وأتاه شيخ من السّاحل وطلب منه أن يعطيه شيئا من الزيت يأكل منه أولاده ليلة قدومه عليهم ، فكتب له رقعة لوكيله بالسّاحل وهو يقول له : أعطه قفيزين زيتا فلما وصل إليه ضجر وقال : ما دفّقنا شيئا من الزّيت وهو أخذ في تفريقه ولم يعطه شيئا ، فكتب إليه وقال له : أعطه خمسين قفيزا لأجل تعبه فردّه ثانيا ، فلما وصل رآه ولد عبد اللّه بن طالب فلم يتركه يصل إلى أبيه ، فقال لوكيل والده أعطه خمسين قفيزا زيتا كما أمرك والدي ، ولو وصل إليه لأعطاه زيتونه من أصله فأعطاه ذلك . وأتته امرأة بإثر صلاة الجمعة وذكرت له أنّ عندها ابنة تريد أن تجهّزها ولا مال عندها فدخل إلى الدار فلم يجد ما يردها به ، فنزع ثياب الجمعة وأعطاها ذلك فمشت إلى سوق الرّهادرة وأعطتها لبعض الدّلّالين ، فلما نظرها قال : هذه لا تصلح إلّا للباس ابن طالب القاضي ، فأتى بها إليه فقال له : هي لباسي وما وجدت ما نردّها به ، ناد عليها وزد لي فيها فإذا وقفت عليك ، فادفع عنّي حقّها سلفا ، وردّها إليّ ففعل ذلك . قال أبو بكر التّجيبي وأتاه رجل شكى الإقلال وعرض بالسؤال فاعتذر ابن طالب إليه ، ثم دخل وخرج وفي يده عشرة دنانير دفعها إليه . قلت : إنما اعتذر له مع أنّه أخرج له بعد ما ذكر ، ليطيب قلب المعطى له بما أعطاه ، ولا يستقللها منه ، أو يكون بعد أن اعتذر ذكر أنّ في داره ما أعطاه ، فدخل وأخرجها له واللّه أعلم . قلت : وكان رجل يتعرّض لعرضه كثيرا فماتت له أم ولد ، فقيل له امش لابن طالب يصلّي عليها ليكثر من يصلي عليها من الناس ، وكان معزولا يومئذ ففعل ذلك ، وبعث وراءه ابن طالب بعد ، وكتب له ثلاثين كتابا لأصحابه بالسّاحل وهو يطلب كلّ إنسان منهم جارية ، فأتى الرّجل بثلاثين جارية ، ووصل بهن إلى ابن طالب ، وهو يعتقد أنّ جميعها له ، فباع ثلاثا منها وكسا بثمنها السبعة والعشرين الباقية منها وأعطى له جميعها . وهكذا كان النّاس الفضلاء يحسنون لمن أساء إليهم .